علي بن يوسف القفطي
237
إنباه الرواة على أنباه النحاة
وهذا الصاحب بن عبّاد ممّن اشتركت الألسن في وصفه ، وسلَّم إليه أهل البلاغة ما عاناه من نثره ونظمه ، وحسن ترتيبه ورصفه ، وأطال مؤرّخو أخبار الوزراء في ذكره ، وشرحوا ما شرحوه من مستحسن أمره ، ورزق من السعادة ما لازمه إلى رمسه ، وما لقى يوما من الأيام إلا وكان فيه أجلّ من أمسه . وقيل : إن كلّ من مات نقصت حرمته لعدم ما يرجى منه إلا ابن عبّاد ؛ فإنّه لمّا أخرج تابوته للصلاة عليه خرّ الدّيلم سجودا له . وكان ممّن قنا ( 1 ) العلوم وأكثر منها ، حتى حكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسيّ النحويّ قال : سمعت الصاحب يقول : أنفذ إليّ أبو العباس تاش الحاجب رقعة في السّر بخط صاحبه نوح بن منصور ملك خراسان يريدنى فيها على الانحياز إلى حضرته ، ليلقى إليّ مقاليد ملكه ، ويعتمدنى لوزارته ، ويحكَّمنى في ثمرات بلاده . قال : وكان مما اعتذرت به من تركى امتثال أمره ذكر طول ذيلى ، وكثرة حاشيتي ، وحاجتي لنقل كتبي خاصة إلى أربعمائة جمل ، فما الظنّ بما يليق بها من تحمّلى . مات - رحمه اللَّه - ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة بالرّيّ وحمل إلى أصبهان ، ودفن في قبة بمحلة تعرف بباب دريه . قال لي ابن البندارى الأصبهانيّ نزيل دمشق : هي عامرة معروفة إلى الآن ، والعلويّون من ولد ( 2 ) بنته يبتاعون لها في الوقت بعد الوقت كلسا ( 3 ) أصبهانيا يبيّضونها به .
--> ( 1 ) قنا العلوم : كسبها . ( 2 ) هو الشريف أبو الحسن عباد بن عليّ الحسينيّ سبط الصاحب . يروى أنه لما بشر به قال : الحمد للَّه حمدا دائما أبدا * إذ صار سبط رسول اللَّه لي ولدا ( 3 ) في الأصل « ملينا » ، وهو تحريف .